عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
193
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
فموضوع ( b 214 ) علم التعبير القوّة المتخيّلة من حيث انّها تخلّط وتغلّط ، وموضوع صاحب الفراسة اخلاق النّفس الحيوانيّة من جهة دلالتها على صفاتها ، وموضوع الطبّ جسد الانسان من حيث ( 91 پ ) يصحّ ويمرض . وهذه العلوم الثّلاثة من فروع العلم الطبيعىّ . المسألة الثّالثة في الأسباب الموجبة لهذه الآثار المسألة الثّالثة في الأسباب الموجبة لهذه الآثار ، وهي ثلاثة : صفاء جوهر النّفس ، وقوة نظرية لها بالغة في الكمال ، وضعف سلطان القوّة المتخيّلة . اما الاوّل هوان جوهر النّفس من سنخ الملكوت كما دريت ، والملكوتيّون علل بالطبع لما يجرى في عالمنا هذا من الذوات والصّفات والافعال ، وقد نبّهت على هذا فيما سلف . فالحوادث الارضيّة منقادة لها طوعا وكرها . فالنّفس الّتي هي شعلة منها تؤثّر مثل تأثيراتها على حسب طاقتها ، لان الشّعلة من النار تفعل في الاحراق مثل فعلها ، ولكن على قدر قوّتها . واوّل اثر من آثاره يظهر في مملكته الخاصّة ، ( a 215 ) وهي بدنه ، فان القوى كلّها مسخّرة تحت يده وتصرّفه . وهذه الحالة تجدها كلّ نفس في ذاتها وجدانا ضروريّا ، حيث تأمر القوّة الشهويّة باحضار مشتهاها ، والغضبية تدفع ما يؤلمها ، وهكذا امرها نافذ في كلّ من هذه القوى . ( م 143 ر ) وإذا كان هذا واقعا ، فمن الجائز القريب الوقوع ان يقع نفس كبيرة خبيرة بالأحوال الغائبة الخارجة عن مملكتها ، صافية وافية بتدبير مملكة أطول واعرض منها ، حيث يستوعب حكمها تسخيرها وتدبيرها ، بحيث يتعدّى نفوذ سلطنتها إلى هيولى عالم الكون والفساد . فتطيعها ، كما كانت مطيعة للنّفوس العالية ، تارة بالتسخّن ، فتلبس صورة النّار ، وأخرى بالتبرّد ، فتلبس صورة الماء ، ودفعة بالتلبس ، فتلبس صورة الأرض ، ومرّة بالترطّب ، فتلبس صورة الهواء . كما انقلب نار إبراهيم ، عليه السّلام ، هواء بأمر خالقها ، حيث قال له : « يا نارُ ( b 215 ) كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » . والبرد والسلامة إشارتان إلى هيئة الاعتدال ، اى لا حرارة مفرطة ولا برودة قاتلة . كما وصف حال أهل الجنة فيها بقوله : « لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً » . وهذا إشارة إلى انّ عالم الأفلاك عالم الاعتدال ، فلهذا لا موت فيه . وهذا المقام تسمية الصّوفية « مقام كن » كما قال اللّه ، تعالى : « يا ابن آدم خلقتك